رحلة اكتشاف موهبتك (المسافره)
لا أكتب هنا لأن عشرين عاماً تمثل إنجازاً، ولا لأن الأعوام والأرقام مهمة أصلاً، ولكن في شخصيتي إعدادات تركّز على الأرقام وتجعلني أعدّ الأشياء والبلاد والمطارات وأتذكر التواريخ والمواعيد والمناسبات. بين هذه الصور مرت عشرون سنة بالتمام والكمال، منذرحلة اعتبرتها شخصياً أولى رحلاتي الحقيقية. لم تكن أول مرة أسافر فيها ولا حتى أول مرة أزور ألمانيا تحديداً، ولكنها الرحلة الحقيقية الأولى التي جعلتني أعرف أن بداخلي مسافرة شغوفة وأن السفر، وخصوصاً السفر المنفرد، واحد من متع الحياة التي سترافقني ما كتب الله لي أن أحيا. وبالفعل، بعد تلك الرحلة سافرت عدداً لا أحصيه من المرات، ربما زرت 35 بلداً و أكثر من 100 مدينة، ربما عبرت 60 مطاراً (نعم، أحب المطارات وأهتم بكل منها شخصياً)، وقابلت مئات الأشخاص من مختلف البلاد والجنسيات والأديان، ولكن كما قلت، كانت هذه الرحلة التي جعلتني أعرف أن السفر إن لم يغيّر فيك شيئاً فهو مجرد تغيير لحظي للمكان.
لا أخطط للتغيير ولا أتتبعه، إنما أشعر به فجأة في موقف ما، في خاطر يلمع بذهني كما لو رأيت هذا الموقف يحدث أمامي من قبل – deja vu ! كل شعور إيجابي حملته معي من رحلاتي وجدته ينعكس على تعاملي مع غيري وكل أمر ساءني في تلك الرحلات جعلني أفتّش عن طرق لأتجنبه، وبالطبع ذكّرني بأن لا أكون أنا ذلك الشخص مهما كانت الإساءة. إلا أن رحلتي هذه إلى المانيا كانت رحلة مفصلية طبعت آثاراً لا تمحى في حياتي، ويكفي أن أقول بأنها غيّرت حتى مسمى "الحالة الاجتماعية" لديّ وقتها، وأكدت لي بما لا يقبل مجالاً للشك أن الشمس لا تشرق ولا تغيب من وطني. قد يكون كل ما تعلمته حينها بديهياً لطفلة في العاشرة في أيامنا هذه، ولكنني اتحدث عن حقبة ما قبل الإنترنت – ربما بالتحديد مع دخول الإنترنت إلى حياتنا.
ذهبت في هذه الرحلة عام 1999 إلى ألمانيا لغرض دراسي استمر 40 يوماً. غادرت الأردن يومها فتاة عادية جدا، مجتمعها صغير أقرب إلى المجتمع المغلق، طالبة جامعية تحمل كل الأفكار والأحكام المسبقة السائدة في رأسها ولكنها تحمل استعداداً كاملاً لترى وتسمع وتفكّر وربما تتغير. كنت أقرأ كثيراً ولا أشاهد من برامج التلفزيون إلا أقل القليل – مجتمعي كان يقتصر على أسرتي الصغيرة وبضعة صديقات بنفس تفكيري. عدت منها "دينا" التي تعرف أن بإمكانها الاعتماد على نفسها وقراءة خرائط المدن ومسارات القطارات ورسم طريق بديل للرحلة فوراً عندما تركب من الرصيف الخطأً. التي تعرف كيف تعقد مناظرة مع أشخاص من جنسيات مختلفة بعد ان كانت العاملة السريلانكية في منزل جدي هي أغرب شخص تعاملت معه. عدت منها وأنا أذكر نفسي كل يوم أن محاولة الاستهزاء بشخص ما معتمدة على أنه لا يفهم لغتي لم تكن أذكى "نهفاتي" - بل كنت أنا أول من شعر بالإحراج بسببها. هذه السفرة كانت رحلة لروحي وعقلي قبل أن تكون رحلة للنزهة والدراسة، عدت منها شخصاً جديداً، ومن يومها وأنا أتغيّر قليلاً في كل سفر. وبعد عشرين عاماً، أنظر إلى تلك الفتاة في الحديقة وأتساءل، ماذا لو لم أسافر كثيرا، هل كنت سأبقى أنا هي؟
لو لم تتغير للأفضل ولو قليلاً بعد سفرك فأنت لم تسافر، ولو لم تحدثك نفسك بالتغيير ومحاكاة أفضل ما رأيته في رحلتك، حينها أنت "شجرة".
انسانه قويه جدا
ردحذفكل التقدير
ردحذف